الرئيسية / مقالات / موريتانيا ولعبة الواجهة والظل فـي الديمقراطية

موريتانيا ولعبة الواجهة والظل فـي الديمقراطية

نصوح المجالي

عن صحيفة الرأي الاردنية

نتيجة لانشغالنا الطويل بقضايانا في المشرق العربي وبخاصة القضية الفلسطينية، وقضية العراق التي لم تهدأ منذ نهاية السبعينات، لهذا ولأسباب عديدة تتصل بالبعد الجغرافي، واختلاف الرؤى بين المشرق العربي والمغرب العربي يمكن القول اننا في المشرق العربي لا نعرف الا القليل عن اوضاع دول المغرب العربي واقطاره والتيارات الاجتماعية والسياسية التي تختلج فيه.

ويفترض ان يكون هذا دور مراكز البحوث والدراسات في الوطن العربي التي تحول اكثرها ولا اقول جميعها الى عناوين بدون مضمون او الى وكالات بحثية تنتظر ان يطرح عليها من دوائر البحوث والاستخبارات الغربية، موضوعات حول الاوضاع الداخلية في الوطن العربي، لتنفذها بالاجر وكأنها عطاء فكري وتجاري لحساب من يبحثون عن ثغرات في نسيج المجتمعات العربية، تعينهم في استهداف بلادنا واوضاعنا وثقافتنا، ووحدة شعوبنا واستقرارها.

مناسبة الحديث ما يجري في موريتانيا، التي تعيش من مطلع القرن الواحد والعشرين، حالة سياسية وحالة حراك ووعي قومي وديني ووطني، شبيهة بالحالة التي مر بها المشرق العربي في عقد الستينات، عندما كان الحكم دُولة بين الانقلابات العسكرية التي ينسخ الواحد منها الاخر، حتى اصبح تداول الحكم بين النخب العسكرية والحزبية، ظاهرة من ظواهر عدم الاستقرار في المنطقة.

ومناسبة الحديث دور العسكر في تغيير نمط الحكم، والسيطرة على مجريات الاحداث في موريتانيا منذ ان اطيح بالرئيس الاسبق ولد طايع عام 2005 بانقلاب عسكري اثناء سفره للخارج.

فمركز التسلط على الحكم كان في يد الرئيس ولد طايع وبالانقلاب، انتقل مركز التحكم في الدولة الى ايدي ضباط وجنرالات الجيش الموريتاني، الذين وعدوا بالاصلاح السياسي واعادة البلاد الى الديمقراطية عبر الانتخابات الحرة خلال فترة وجيزة، لم تزد عن عام واحد، تم خلالها استبعاد قوى سياسية وعسكرية وتأهيل قوى سياسية وحزبية منسجمة مع العهد الجديد، ولم يحدث هذا في التاريخ السياسي العربي الا مرة واحدة في السودان، عندما تقلّد الحكم الجنرال سوار الذهب الذي وعد بانتخابات حرة ثم اعاد الحكم للقوى المدنية المنتخبة، وهي الفترة التي حكم فيها الصادق المهدي الذي اطيح به بانقلاب عسكري رأسه الرئيس السوداني الحالي عمر البشير.

في موريتانيا اتت الانتخابات الحرة بالرئيس محمد ولد الشيخ عبدالله، الذي رفع الحظر عن القوى الاسلامية والديمقراطية، واتبع سياسة اقل تشدداً من سلفه، الا انه واجه ضائقة اقتصادية وموجة من الغلاء قللت من قدرته على تغيير الاوضاع في موريتانيا، عدا عن ضعف الاداء السياسي والانقسامات وصراع التيارات السياسية الداخلية المشاركة في الحكم مما ادخل موريتانيا في ازمات سياسية، قللت من الآمال التي عقدت على العهد الجديد.

لكن العقدة الرئيسة في موريتانيا هي: ازدواجية مركز الحكم بالدولة؛ فالعسكر الذين اتوا بالديمقراطية انسحبوا من الواجهة السياسية ليشكلوا مركز قوة وتحكم من داخل النظام الجديد، وبقيت مفاتيح الحسم في يد العسكر؛ ومنهم قائد حرس الرئاسة، قائد الانقلاب الجديد وكما هو الحال في العديد من الاوضاع السياسية التي شهدتها الساحة العربية، الدولة في الظاهر والآليات ديمقراطية بينما تلعب مراكز القوى دور الوصاية على الحكم من موقع الظل وعندما حاول الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ، فك رموز المعادلة العسكرية باقالة اربعة جنرالات نافذين في الجيش، انقلب العسكر على الرئيس الموريتاني المنتخب وعلى الديمقراطية واستعادوا السلطة وكأنها منحة منهم، ووعدوا الشعب الموريتاني بانتخابات جديدة، وهي ان حدثت هذه المرة ستأتي حتما بجنرال يمد سلطة العسكر الى النظام الديمقراطي الهش، او بشخصية سياسية تابعة تماما للعسكر، بحيث يتم التوفيق بين دور الواجهة الديمقراطية المدنية، وبين دور العسكر في الظل، وتلك هي حكاية الديمقراطية في معظم الساحات العربية والاسلامية مع اختلاف السيناريوهات صراع بين مراكز الحكم الحقيقي في الدولة، وبين القوى المدنية التي تدير الحراك السياسي في الواجهة، فيرخي الحبل بحسبان للقوى السياسية حتى لا تخرج عن الثوابت والضوابط التي توضع لهذه الحالة.

في تركيا، هناك صراع بين القوى المنتخبة ديمقراطيا والقوى العسكرية التي تعتبر نفسها حامية للعلمانية، رغم انها تعمل بطرق غير ديمقراطية، وفي الباكستان صراع دائم بين قوى الجيش، والقوى المدنية كل يحاول السيطرة على الاخر وازاحته من الساحة السياسية.

والديمقراطية التي طالما تغنت بها التنظيمات الفلسطينية تحولت الى سجال وصراع مكشوف بين قوى الامن في تيارين رئيسيين.

حتى في الدول العربية العريقة في مؤسساتها البرلمانية والديمقراطية فالحزب الحاكم يمثل قوى التحكم الفعلية في البلاد.

فللديمقراطية في بلادنا العربية خيوط خفية تحرك الشخوص والادوار من وراء ستار على المسرح السياسي تحجب من تريد وتوصل الى دائرة الضوء من تريد، فهناك لاعبون حقيقيون يديرون حركة المسرح السياسي من دائرة الظل وهم يقفزون الى الواجهة اذا تضررت مصالحهم كما حدث مؤخرا في موريتانيا.

وهناك قوى عديدة تلعب دور الكومبارس السياسي في اللعبة الديمقراطية في عالمنا الثالث، ودورها ان تُمارس الصخب الديمقراطي وتدير الحراك السياسي بالقدر المسموح لها ولكنها في الحقيقة لا تمتلك الا جزءا يسيرا من ساحة القرار واحيانا يكون هناك لاعبون خارجون اكبر لهم اطماع ومصالح استراتيجية او نفطية تقتضي تغيير المشهد السياسي في بلد ما وموريتانيا ليست استثناء.

الاستنتاج الصحيح، ان الرئيس الموريتاني المقال لم يدرك اصول اللعبة السياسية في بلاده وعندما داس على العصب الحساس استفاقت مراكز القوى الحقيقية، وعزلت الحكم الجديد برمته، مع وعد بتكرار اللعبة الديمقراطية التي انقلبوا عليها في اقل من عام.

الديمقراطية ليست اصيلة في ثقافتنا وهي مستنبتة حديثا، في بلاد العرب والمشرق، اما التسلط والانفراد سواء بالعسكر او الاحزاب المنفردة، او الاستيلاء الفردي فهو جزء اصيل من تاريخنا وتراثنا العربي والشرقي.

وهذا لا ينفي وجود درجة عالية من الوعي السياسي تعكسه حوارات القوى السياسية والحزبية سواء في موريتانيا او غيرها من الساحات العربية، لكن الحسم عادة يكون في ايدي قوى الظل ومراكز القوة التي تمارس وصاية فعلية على الدولة والمجتمع وتوظف اصحاب الادوار وفقا لرؤيتها وخياراتها.

شاهد أيضاً

قضايا التنمية بالأقاليم الجنوبية حاضرة في نقاشات المؤتمر الوزاري الأفريقي حول النزاع الإقليمي بالصحراء

نجح المؤتمر الوزاري الإفريقي حول دعم الاتحاد الإفريقي للمسلسل السياسي للأمم المتحدة بشأن النزاع الإقليمي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *